الماكروبيوتك دايت.. لماذا سبب لي الحيرة؟
يعد هذا النظام الغذائي من أكثر الأنظمة التي سببت لي حيرة، وقد استغرق مني وقتًا طويلًا نسبيًا لفهمه وتكوين صورة حقيقية ومنطقية عنه أستطيع الاقتناع بها كان هدفي الأساسي هو الوصول إلى رأي شخصي واضح قبل الحديث عنه، دون التأثر المسبق بما يتداول حوله.
حرصت على ألا أبني موقفي من هذا النظام اعتمادًا على مصدر واحد أو اتجاه واحد، ولذلك تجنبت التأثر بما يلي:
- ما ورد في بعض الكتب والمصادر التي تقدم صورة إيجابية مطلقة عنه، اعتمادًا على كونه نظامًا غذائيًا قديمًا سبق الأنظمة الغذائية الحديثة.
- آراء بعض المختصين الذين يبالغون في تعظيمه، ويصورونه على أنه الحل الشامل لكل المشكلات الصحية وعلاج لمعظم الأمراض.
- تجارب عدد كبير من الحالات التي تعاملت معها بعد التزامهم بهذا النظام لفترات زمنية متفاوتة، حيث كانت نتائج أغلبهم سلبية، ولا تتوافق مطلقًا مع التوقعات العالية المرتبطة به.
حديثنا هنا عن نظام الماكروبيوتك الغذائي (Macrobiotic Diet). سنحاول في هذا العرض الإجابة عن مجموعة من الأسئلة الأساسية، وهي:
- ما هو نظام الماكروبيوتك الغذائي؟
- كيف بدأ هذا النظام، وما جذوره؟
- لماذا قد يلجأ البعض إلى اتباع الماكروبيوتك دايت؟
- ما المسموح والممنوع ضمن هذا النظام؟
- لمن قد يكون هذا النظام مناسبًا، ولمن لا يُنصح به؟
- وفي النهاية، سأعرض رأيي الشخصي في الماكروبيوتك دايت لمن يهمه الاطلاع عليه.
يُمكنك الآن حجز استشارة مع ندى حرفوش من هنا،
الانطباع الأول عن الماكروبيوتك دايت
للوهلة الأولى، قد يبدو نظام الماكروبيوتك الغذائي مجرد نظام غذائي حديث، لا يختلف كثيرًا عن غيره من الأنظمة المستحدثة؛ أشبه بموضة أو توجه عابر يتداوله مختصو التغذية لفترة ثم يختفي. وقد يذهب الاعتقاد أيضًا إلى أنه نظام يركز على تحسين حالة الميكروبيوم، خاصة بسبب التشابه اللفظي بين المصطلحين، إلا أن هذا الفهم غير دقيق.
مصطلح ماكروبيوتك مستمد من اللغة اليونانية القديمة، حيث:
- ماكرو (Macro) تعني: الحياة
- بيوس (Bios) تعني: الطويلة أو الممتدة
وبذلك، فإن معنى الماكروبيوتك هو الحياة الطويلة أو الممتدة، وليس له علاقة مباشرة بمفهوم الميكروبيوم كما قد يوحي الاسم.
عند التعمق في فهم الماكروبيوتك، يتضح أنه ليس مجرد نظام غذائي، بل هو في الأساس فلسفة حياتية تسعى إلى تفسير الكون وطبيعته وآلية عمله. وبما أن جسم الإنسان يعد جزءًا لا يتجزأ من هذا الكون، فقد حاولت هذه الفلسفة تفسير كيفية عمل الجسم الإنساني استنادًا إلى نفس القوانين التي تحكم الكون.
فلسفة الين واليانج
خلال السنوات الأخيرة، أصبحنا نسمع كثيرًا عن مفاهيم مثل:
- طاقة الذكورة والأنوثة
- طاقة الين واليانج
وهي مصطلحات لم تكن مألوفة في ثقافتنا سابقًا، ولم يكن معناها واضحًا للكثيرين.
هذه المفاهيم تنتمي إلى فلسفة صينية قديمة، تتبع مدرسة فكرية أسسها الفيلسوف الصيني لاوتسو، الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد. وكان يرى أن الإنسان يجب أن يعيش في تناغم وانسجام مع الكون، لأن الكون بأكمله قائم على نوعين متكاملين من الطاقة، هما الين واليانج.
طاقة الين
تعرف بطاقة الأنوثة، وتمثل:
- الليل
- الظلام
- السكون
- الراحة
- التجدد
وعلى مستوى جسم الإنسان، ترتبط طاقة الين بالأعضاء الداخلية المسؤولة عن عمليات التنقية والتنظيف، مثل:
- الكبد
- الكلى
طاقة اليانج
تعرف بطاقة الذكورة، وتمثل:
- النهار
- الحركة
- النشاط
- الحرارة
- الشمس
- فصل الصيف
وفي جسم الإنسان، ترتبط طاقة اليانج بالأعضاء التي تعمل باستمرار، مثل:
- القلب
- الرئتين
بهذا الفهم، يتضح أن الماكروبيوتك دايت ليس مجرد أسلوب أكل، بل امتداد لفلسفة شاملة ترى أن صحة الإنسان تعتمد على تحقيق التوازن بين طاقتي الين واليانج، تمامًا كما هو الحال في الكون.
العلاقة بين الفلسفة والماكروبيوتك دايت
قد يتساءل البعض: ما علاقة كل ما سبق بنظام الماكروبيوتك الغذائي؟ ولماذا كل هذه الفلسفة؟
الإجابة أن الماكروبيوتك دايت قائم في جوهره على فكرة تصنيف الأطعمة وفقًا لطاقة الين وطاقة اليانج.
مبدأ التوازن الطاقي في الغذاء
يعتمد هذا النظام على أن:
الأطعمة التي تحمل طاقة الين تستخدم عند وجود مشكلة ناتجة عن زيادة طاقة اليانج، بهدف معادلتها وإعادة الانسجام إلى الجسم.
والعكس صحيح؛ فإذا كانت المشكلة ناتجة عن زيادة طاقة الين، يتم اللجوء إلى الأطعمة التي ترفع طاقة اليانج.
هذه الأطعمة لا تستخدم كأساس للنظام الغذائي، وإنما تضاف بكميات محدودة ولفترات معينة كنوع من التدخل العلاجي.
أما الأساس اليومي للنظام الغذائي، فيعتمد على الأطعمة المحايدة، وهي الأطعمة التي تقع في المنطقة الوسط بين الين واليانج، ويفترض أنها تحافظ على التوازن العام للجسم.
وهذه هي الفلسفة الأساسية التي يقوم عليها نظام الماكروبيوتك الغذائي.
ما الذي سنتناوله لاحقًا؟
فيما يلي، سنتعرف على:
- تصنيف الأطعمة في الماكروبيوتك دايت.
- تصنيف الأمراض وفق منظور هذا النظام.
وفي النهاية، سأعرض رأيي الشخصي في هذه الفلسفة الغذائية ككل.
تصنيف الأطعمة في الماكروبيوتك دايت
يقسم الماكروبيوتك دايت الأطعمة إلى ثلاثة أقسام رئيسية:
- أطعمة ذات طاقة الين
- أطعمة ذات طاقة اليانج
- أطعمة محايدة
وسنبدأ بالأطعمة المحايدة، لأنها تمثل القاعدة الأساسية للنظام الغذائي، وهي ما يُفترض تناوله يوميًا، بينما تُستخدم باقي الأطعمة بشكل تكميلي أو علاجي عند الحاجة.
الأطعمة المحايدة
تشمل الأطعمة المحايدة في الماكروبيوتك دايت الحبوب بشكل أساسي، وعلى رأسها:
- الأرز البني
- الشعير
- الحنطة السوداء
- الكينوا
ويقترح نظام الماكروبيوتك أن تمثل هذه الحبوب حوالي 60٪ من إجمالي النظام الغذائي اليومي.
يُمكنك الآن حجز استشارة مع ندى حرفوش من هنا،
الأطعمة المحايدة (القاعدة الغذائية)
إلى جانب الحبوب، يشمل تصنيف الأطعمة المحايدة في الماكروبيوتك دايت ما يلي:
- البقوليات مثل العدس والفاصوليا.
- الخضروات الجذرية: وهي الخضروات التي يؤكل جذرها أو الجزء الموجود تحت التربة، مثل:
- الجزر
- اللفت
- الخضروات الموسمية: وهي الخضروات التي تنمو وتحصد في موسمها الطبيعي داخل المنطقة الجغرافية التي يعيش فيها الشخص.
في المقابل، يمنع هذا النظام تناول ما يعرف بـ خضروات الـ Nightshades، مثل:
- الطماطم
- الباذنجان
- الفلفل
- البطاطس
ويفترض أن تشكل هذه المجموعة من الأطعمة حوالي 40٪ من النظام الغذائي اليومي.
وبذلك، يتضح أن الماكروبيوتك دايت يعد أحد أشكال الأنظمة الغذائية النباتية، وهو أمر شائع في الأنظمة الغذائية المستمدة من الفلسفات الشرقية، التي تميل بطبيعتها إلى الاعتماد الأكبر على الغذاء النباتي.
وهذا المزيج من الأطعمة هو ما يفترض أن يشكل النظام الغذائي اليومي الأساسي، بهدف الحفاظ على توازن طاقتي الين واليانج، والعيش في صحة وتناغم من وجهة نظر الماكروبيوتك دايت.
أطعمة الين
أطعمة الين هي الأطعمة التي يعتقد أن تأثيرها على الجسم مهدئ، وتمنح إحساسًا بالاسترخاء. وتشمل:
السكريات
الفواكه، وخاصة الفواكه الاستوائية مثل:
- الموز
- الأناناس
- المانجو
- العصائر والمشروبات الباردة
الأطعمة المخمرة، مثل:
- التوفو
- الميسو
- المخللات
- الساوركراوت
ويُعتقد أن الإفراط في تناول هذه الأطعمة قد يؤدي إلى:
- الخمول
- الكسل
- انخفاض النشاط العام
أطعمة اليانج
تمثل أطعمة اليانج الطرف المقابل، إذ يعتقد أنها تمنح الجسم الطاقة والنشاط والحركة، وتشمل:
البروتين الحيواني بجميع أنواعه:
- اللحوم الحمراء
- الأسماك
- الدواجن
- الدهون والمقليات
- التوابل، خاصة التوابل الحارة
- القهوة والشاي والمشروبات الغنية بالكافيين
ويعتقد أن الإفراط في هذه الأطعمة قد يؤدي إلى:
- العصبية
- التوتر
- زيادة الالتهابات
تصنيف الأمراض في الماكروبيوتك دايت
لا يقتصر الماكروبيوتك دايت على تصنيف الأطعمة فقط، بل يمتد أيضًا إلى تصنيف الأمراض وفقًا لمفهوم الين واليانج، حيث يقسمها إلى:
- أمراض ناتجة عن زيادة طاقة الين
- أمراض ناتجة عن زيادة طاقة اليانج
أمراض الين
ينظر إلى أمراض الين على أنها أمراض تتسم بالسكون والهدوء، ومن أمثلتها:
- الشعور بالتعب والخمول والضعف العام
- الأنيميا (فقر الدم)
- انخفاض ضغط الدم
- الاكتئاب والقلق
- ضعف المناعة
- الأمراض المصحوبة بالتورم واحتباس السوائل
ويُرجع الماكروبيوتك دايت هذه المشكلات غالبًا إلى اضطرابات في الكبد والكلى، ويرى أن علاجها يكون من خلال زيادة تناول الأطعمة التي ترفع طاقة اليانج، مثل:
- اللحوم
- بعض التوابل
وذلك بهدف إعادة التوازن الطاقي للجسم وفق هذا التصور.
أمراض اليانج
أما أمراض اليانج، فهي الأمراض التي تتسم بالحركة والحرارة، ومن أمثلتها:
- ارتفاع ضغط الدم
- أمراض القلب
- الحمى وارتفاع درجة حرارة الجسم
- الأمراض المرتبطة بزيادة معدلات الالتهاب في الجسم
ويرى الماكروبيوتك دايت أن علاج هذه الحالات يكون من خلال تناول الأطعمة التي ترفع طاقة الين، مثل:
- الفواكه
- الخضروات الخفيفة
- السوائل
وهذا هو جوهر فلسفة الماكروبيوتك دايت.
رأيي في الماكروبيوتك.. هل الفكرة منطقية أم خرافية؟
قد يرى بعض الناس في هذا الطرح قدرًا من المنطق، بينما يرفضه آخرون من البداية بمجرد سماع مصطلحات مثل طاقة الين واليانج، ويصنفونه مباشرة على أنه خرافات.
أما أنا، فلا أتبنى هذا الموقف ولا ذاك، لأن إصدار الأحكام المطلقة ليس دوري، ولذلك سأعرض رأيي بموضوعية كاملة.
من وجهة نظري، يعد الماكروبيوتك دايت محاولة لفهم طبيعة الجسم، وكيفية عمله، وتأثره بالبيئة والعوامل الخارجية، والدور الذي يمكن أن يلعبه الطعام في التأثير علينا بشكل إيجابي أو سلبي.
ولا يمكن إنكار أن في هذه الفلسفة بعض النقاط الصحيحة، فعلى سبيل المثال:
هناك أطعمة يؤدي الإفراط في تناولها إلى الخمول والكسل، مثل السكريات والإكثار من الفواكه.
هذه الحالة قد ترتبط بمشكلات مثل انخفاض ضغط الدم أو الأنيميا.
وفي بعض الأحيان، يكون الحل بالفعل في إدخال أطعمة مثل البروتين الحيواني، أو الملح، أو التوابل، والتي قد تحسن الحالة بشكل واضح.
لكن هذه الملاحظات الجزئية لا تجعل النظرية بأكملها صحيحة. فهناك جوانب كثيرة لا أجدها منطقية أو صحيحة، وهو ما يتماشى مع النتائج التي رأيتها لدى أغلب الأشخاص الذين اتبعوا نظام الماكروبيوتك لفترات من الزمن.
موقفي من الأنظمة النباتية والماكروبيوتك دايت
لدي تحفظ أساسي على الأنظمة الغذائية النباتية عمومًا، ومن ضمنها الماكروبيوتك دايت.
فالبروتين الحيواني مجموعة غذائية أساسية لا يمكن إلغاؤها أو التعامل معها على أنها اختيارية تؤخذ فقط عند الحاجة.
ولهذا السبب، كانت المشكلة الأساسية التي واجهت أغلب من اتبعوا الماكروبيوتك دايت هي:
- الشعور بالضعف والإجهاد بعد فترة
- الإصابة بالأنيميا
مشكلة الاعتماد المفرط على الحبوب
تحفظي الثاني على هذا النظام أنه ينصح بأن:
تمثل الحبوب حوالي 60٪ من الوجبات اليومية ويكون الباقي من البقوليات والخضروات
وهذا يمثل مشكلة كبيرة، للأسباب التالية:
بعض الحبوب التي يوصي بها النظام، مثل الشعير، غنية جدًا بالجلوتين، وهو أمر بالغ الخطورة خاصة لمن يعانون من مشكلات صحية.
الحبوب والبقوليات غنية بـ:
- الفايتك أسيد
- الليكتينز
وهذه مواد تعد من مضادات المغذيات، أي أنها تعيق امتصاص العناصر الغذائية، بما في ذلك البروتين النباتي الموجود فيها.
بالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الأنظمة تكون غنية جدًا بالألياف.
الألياف ليست ضارة في حد ذاتها إذا كان الجهاز الهضمي سليمًا.
لكن أغلب من يلجؤون لهذا النوع من الأنظمة الغذائية يكون لديهم بالفعل مشكلات هضمية، ولا يستطيعون التعامل مع كميات كبيرة من الألياف والنشويات، وبالتالي، فإن وضعهم على نظام نباتي غني جدًا بالألياف يمثل مشكلة حقيقية.
الخلاصة
عندما أضع كل هذه النقاط مع حقيقة أنني لم أقابل شخصًا واحدًا التزم بالماكروبيوتك دايت وأخبرني أنه عالج مشكلته الصحية أو وجد حلًا جذريًا لمعاناته
فهذا يجعلني غير متحمسة على الإطلاق لهذا النظام الغذائي، وبصراحة، أنا شخصيًا لن أتبع الماكروبيوتك دايت، ولا أعتقد أنه يمكن أن يكون نظامي الغذائي في أي وقت.
ماذا لو نجح الماكروبيوتك مع شخص آخر؟
قد يكتب لي أحدهم:
«أنا اتبعت الماكروبيوتك دايت وارتحت عليه وحل لي مشاكلي».
وردي ببساطة: مبروك عليك.
نحن كبشر مختلفون تمامًا، ولا توجد قاعدة واحدة يمكن أن تنطبق على الجميع بنسبة 100٪، هناك قواعد عامة تنجح مع الغالبية العظمى، وهذا ما أؤكد عليه دائمًا، لكن:
قد لا تنطبق بعض القواعد على أشخاص معينين في فترات معينة، والنظام الذي يناسبك الآن قد لا يناسبك لاحقًا، وهذا أمر طبيعي تمامًا.
نصيحة أخيرة
إذا كنت تتبع الماكروبيوتك دايت وتشعر بالراحة ولا يسبب لك مشكلات صحية
فيمكنك الاستمرار عليه، مع تقليل أو تجنب مصادر الجلوتين، ومتابعة أي نقص غذائي وتعويضه
وأي نظام غذائي خالٍ من الأطعمة المصنعة يمكن أن يكون جيدًا، ويمكن الالتزام به لفترة إذا كنت تشعر أنه يساعدك.
أما إذا سألتموني: ما النظام الغذائي الذي أتبعه حاليًا؟
فإجابتي هي: نظام الباليو دايت، وجميع تفاصيله ستكون موجودة في الحلقة التالية.
يُمكنك الآن حجز استشارة مع ندى حرفوش من هنا،